ابن أبي الحديد

288

شرح نهج البلاغة

وقيل لحكيم : علمنا عملا واحدا إذا عملناه أحبنا الله عليه ، فقال : ابغضوا الدنيا يحببكم الله . وقال أبو الدرداء : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، ولهانت عليكم الدنيا ، ولآثرتم الآخرة ) . ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه : أيها الناس ، لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم ، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ، ولا راجع إليها إلا ما لا بد لكم منه ، ولكن غاب عن قلوبكم ذكر الآخرة ، وحضرها الامل ، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم ، وصرتم كالذين لا يعلمون ، فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها ، ما لكم لا تحابون ولا تناصحون في أموركم ، وأنتم اخوان على دين واحد ، ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ، ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم ، ما لكم لا تناصحون في أموركم ، ما هذا إلا من قلة الايمان في قلوبكم ، ولو كنتم توقنون بأمر الآخرة كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة ، فإن قلت : حب العاجلة غالب ، فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للأجل منها ، ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا ، وتحزنون على اليسير منها يفوتكم ، حتى يتبين ذلك في وجوهكم ، ويظهر على ألسنتكم ، وتسمونها المصائب ، وتقيمون فيها المآتم ، وعامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم لا يتبين ذلك في وجوههم ، ولا تتغير حال بهم ، يلقى بعضهم بعضا بالمسرة ، ويكره كل منكم أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله ، فاصطحبتم على الغل ، وبنيتم مراعيكم على الدمن ، وتصافيتم على رفض الاجل ، أراحني الله منكم ، وألحقني بمن أحب رؤيته . وقال حكيم لأصحابه : ارضوا بدنئ الدنيا مع سلامة الدين ، كما رضى أهل الدنيا بدنئ الدين مع سلامة الدنيا .