ابن أبي الحديد

285

شرح نهج البلاغة

( 373 ) الأصل : أيها الناس متاع الدنيا حطام موبئ ، فتجنبوا مرعاة قلعتها أحظى من طمأنينتها ، وبلغتها أزكى من ثروتها ، حكم على مكثريها بالفاقة ، وأغنى من غنى عنها بالراحة ، من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها ، ومن استشعر الشغف بها ملأت ضميره أشجانا ، لهن رقص على سويداء قلبه ، هم يشغله ، وغم يحزنه ، حتى يؤخذ بكظمه فيلقى بالفضاء ، منقطعا أبهراه ، هينا على الله فناؤه ، وعلى الاخوان إلقاؤه . وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار ، ويقتات منها ببطن الاضطرار ، ويسمع فيها بإذن المقت والأبغاض ، إن قيل أثرى قيل أكدى ، وإن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء ، هذا ولم يأتهم يوم هم فيه مبلسون . الشرح : متاع الدنيا : أموالها وقنياتها . والحطام : ما تكسر من الحشيش واليبس ، وشبه متاع الدنيا بذلك لحقارته . وموبئ : محدث للوباء ، وهو المرض العام . ومرعاة : بقعة ترعى ، كقولك مأسدة فيها الأسد ، ومحياة فيها الحيات . وقلعتها بسكون اللام . خير من طمأنينتها : أي كون الانسان فيها منزعجا متهيئا