ابن أبي الحديد

27

شرح نهج البلاغة

( 203 ) الأصل : إن لم تكن حليما فتحلم ، فإنه قل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم . الشرح : التحلم تكلف الحلم ، والذي قاله عليه السلام صحيح في مناهج الحكمة ، وذلك لان من تشبه بقوم وتكلف التخلق بأخلاقهم ، والتأدب بآدابهم ، واستمر على ذلك ومرن عليه الزمان الطويل ، اكتسب رياضه قوية ، وملكة تامة ، وصار ذلك التكلف كالطبع له ، وانتقل عن الخلق الأول ، ألا ترى أن الأعرابي الجلف الجافي إذا دخل المدن والقرى وخالط أهلها وطال مكثه فيهم انتقل عن خلق الاعراب الذي نشأ عليه ، وتلطف طبعه ، وصار شبيها بساكني المدن ، وكالأجنبي عن ساكني الوبر ، وهذا قد وجدناه في حيوانات أخرى غير البشر كالبازي والصقر والفهد التي تراض حتى تذل وتأنس وتترك طبعها القديم ، بل قد شاهدناه في الأسد ، وهو أبعد الحيوان من الانس . وذكر ابن الصابي إن عضد الدولة بن بويه كانت له أسود يصطاد بها كالفهود فتمسكه عليه حتى يدركه فيذكيه ، وهذا من العجائب الطريفة .