ابن أبي الحديد
181
شرح نهج البلاغة
( 293 ) الأصل : وقال عليه السلام وقد سئل عن القدر : طريق مظلم فلا تسلكوه . ثم سئل ثانيا فقال : بحر عميق فلا تلجوه ، ثم سئل ثالثا ، فقال : سر الله فلا تتكلفوه . الشرح : قد جاء في الخبر المرفوع : القدر سر الله في الأرض ، وروى : سر الله في عباده ، والمراد نهى المستضعفين عن الخوض في إرادة الكائنات ، وفى خلق أعمال العباد ، فإنه ربما أفضى بهم القول بالجبر ، لما في ذلك من الغموض ، وذلك أن العامي إذا سمع قول القائل : كيف يجوز أن يقع في عالمه ما يكرهه ، وكيف يجوز أن تغلب إرادة المخلوق إرادة الخالق ! ويقول أيضا : إذا علم في القدم أن زيدا يكفر ، فكيف لزيد أن لا يكفر ! وهل يمكن أن يقع خلاف ما علمه الله تعالى في القدم ، اشتبه عليه الامر ، وصار شبهة في نفسه ، وقوى في ظنه مذهب المجبرة ، فنهى عليه السلام هؤلاء عن الخوض في هذا النحو من البحث ، ولم ينه غيرهم من ذوي العقول الكاملة ، والرياضة القوية ، والملكة التامة ، ومن له قدرة على حل الشبه ، والتفصي عن المشكلات . فإن قلت ، فإنكم تقولون : أن العامي والمستضعف يجب عليهما النظر ! قلت : نعم إلا أنه لا بد لهما من موقف بعد أعمالها ما ينتهى إليه جهدهما من النظر ، بحيث يرشدهما إلى الصواب ، والنهى إنما هو لمن يستبد من ضعفاء العامة بنفسه في النظر ولا يبحث مع غيره ليرشده .