ابن أبي الحديد

162

شرح نهج البلاغة

( 279 ) الأصل : إعلموا علما يقينا إن الله لم يجعل للعبد وإن عظمت حيلته ، واشتدت طلبته ، وقويت مكيدته ، أكثر مما سمى له في الذكر الحكيم ، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلة حيلته ، وبين أن يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم . والعارف لهذا ، العامل به ، أعظم الناس رحمة في منفعة : والتارك له ، الشاك فيه ، أعظم الناس شغلا في مضرة . ورب منعم عليه مستدرج بالنعمى ، ورب مبتلى مصنوع له بالبلوى . فزد إيها المستمع في شكرك ، وقصر من عجلتك ، وقف عند منتهى رزقك . الشرح : قد تقدم القول في الحرص والجشع وذمهما وذم الكادح في طلب الرزق ، ومدح القناعة والاقتصار ، ونذكر هنا طرفا آخر من ذلك . قال بعض الحكماء : وجدت أطول الناس غما الحسود ، وأهنأهم عيشا القنوع ، وأصبرهم على الأذى الحريص ، وأخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا ، وأعظمهم ندامة العالم المفرط . وقال عمر : الطمع فقر ، واليأس غنى ، ومن يئس مما عند الناس استغنى عنهم .