ابن أبي الحديد

94

شرح نهج البلاغة

وكان يقال : العلم في الأرض بمنزلة الشمس في الفلك ، لولا الشمس لأظلم الجو ، ولولا العلم لأظلم أهل الأرض . وكان يقال لا حله أجمل من حله الأدب ، لان حلل الثياب تبلى ، وحلل الأدب تبقى ، وحلل الثياب قد يغتصبها الغاصب ، ويسرقها السارق ، وحلل الآداب باقية مع جوهر النفس . وكان يقال الفكرة الصحيحة إصطرلاب روحاني . وقال أوس بن حجر يرثى : إن الذي جمع السماحة والنجدة والحزم والنهى جمعا ( 1 ) الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا . ومن كلام الحكماء : النار لا ينقصها ما أخذ منها ، ولكن يخمدها ألا تجد حطبا ، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس ولكن فقد الحاملين له سبب عدمه . قيل لبعضهم أي العلوم أفضل ؟ قال : ما العامة فيه أزهد . وقال أفلاطون : من جهل الشئ ولم يسأل عنه جمع على نفسه فضيحتين . وكان يقال : ثلاثة لا تجربة معهن : أدب يزين ، ومجانبة الريبة ، وكف الأذى . وكان يقال : عليكم بالأدب ، فإنه صاحب في السفر ، ومؤنس في الوحدة ، وجمال في المحفل ، وسبب إلى طلب الحاجة . وكان عبد الملك أديبا فاضلا ، ولا يجالس إلا أديبا . وروى الهيثم بن عدي عن مسعر بن كدام ، قال : حدثني سعيد بن خالد الجدلي ،

--> ( 1 ) ديوانه 26 .