ابن أبي الحديد

415

شرح نهج البلاغة

( 184 ) الأصل : من لم ينجه الصبر ، أهلكه الجزع . * * * الشرح : قد تقدم لنا قول شاف في الصبر والجزع . وكان يقال : ما أحسن الصبر لولا أن النفقة عليه من العمر ! أخذه شاعر فقال : وإني لأدري أن في الصبر راحة * ولكن إنفاقي على الصبر من عمري وقال ابن أبي العلاء يستبطئ بعض الرؤساء : فإن قيل لي صبرا فلا صبر للذي * غدا بيد الأيام تقتله صبرا وإن قيل لي عذرا فوالله ما أرى * لمن ملك الدنيا إذا لم يجد عذرا فإن قلت : أي فائدة في قوله ( عليه السلام ) : " من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع " ؟ وهل هذا إلا كقول من قال : " من لم يجد ما يأكل ضره ( 1 ) الجوع ؟ " . قلت : لو كانت الجهة واحدة ، لكان الكلام عبثا ، إلا أن الجهة مختلفة ، لان معنى كلامه ( عليه السلام ) من لم يخلصه الصبر من هموم الدنيا وغمومها هلك من الله تعالى في الآخرة بما يستبدله من الصبر بالجزع ، وذلك لأنه إذا لم يصبر فلا شك أنه يجزع ، وكل جازع آثم والاثم مهلكة ، فلما اختلفت الجهة وكانت تارة للدنيا وتارة للآخرة لم يكن الكلام عبثا بل كان مفيدا .

--> ( 1 ) في د : " أهلكه " .