ابن أبي الحديد

408

شرح نهج البلاغة

في القوم غلام من قريش جالسا ، فتحمل الكلمة إلى معاوية ، فقال معاوية : أنت سمعت هانئا يقولها ؟ قال : نعم ، قال : فأخرج فأت حلقته ، فإذا خف الناس عنه فقل له : أيها الشيخ ، قد وصلت كلمتك إلى معاوية ، ولست في زمن أبى بكر وعمر ، ولا أحب أن تتكلم بهذا الكلام فإنهم بنو أمية ، وقد عرفت جرأتهم وإقدامهم ، ولم يدعني إلى هذا القول لك إلا النصيحة والاشفاق عليك ، فانظر ما يقول ، فأتني به . فأقبل الفتى إلى مجلس هانئ ، فلما خف من عنده دنا منه فقص عليه الكلام وأخرجه مخرج النصيحة له ، فقال هانئ : والله يا بن أخي ما بلغت نصيحتك كل ما أسمع ، وإن هذا الكلام لكلام معاوية أعرفه ! فقال الفتى : وما أنا ومعاوية ! والله ما يعرفني ، قال : فلا عليك ، إذا لقيته فقل له : يقول لك هانئ : والله ما إلى ذلك من سبيل ، انهض يا بن أخي راشدا ! فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلمه ، فقال : نستعين بالله عليه . ثم قال معاوية بعد أيام للوفد : ارفعوا حوائجكم - وهانئ فيهم - فعرض عليه كتابه فيه ذكر حوائجه ، فقال : يا هانئ ، ما أراك صنعت شيئا ، زد فقام ، هانئ فلم يدع حاجة عرضت له إلا وذكرها ، ثم عرض عليه الكتاب فقال : أراك قصرت فيما طلبت ، زد ، فقام هانئ فلم يدع حاجة لقومه ولا لأهل مصره إلا ذكرها ، ثم عرض عليه الكتاب ، فقال : ما صنعت شيئا ، زد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، حاجة بقيت ، قال : ما هي ؟ قال : أن أتولى أخذ البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بالعراق ، قال : افعل ، فما زلت لمثل ذلك أهلا ، فلما قدم هانئ العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمعونة من المغيرة بن شعبة وهو الوالي بالعراق يومئذ .