ابن أبي الحديد
38
شرح نهج البلاغة
فلم يلبث إلا قليلا حتى حضرته الوفاة ، فقلت : إلى من توصي بي ؟ فقال : ما أعلم رجلا بقي على الطريقة المستقيمة إلا رجلا بنصيبين ، فلحقت بصاحب نصيبين . قالوا : وتلك الصومعة اليوم باقية ، وهي التي تعبد فيها سلمان قبل الاسلام ، قال : ثم احتضر صاحب نصيبين ، فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم ، فأتيته وأقمت عنده ، واكتسبت بقيرات وغنيمات ، فلما نزل به الموت قلت له : بمن توصي بي ؟ فقال : قد ترك الناس دينهم ، وما بقي أحد منهم على الحق ، وقد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم ، يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين ، لها نخل ، قلت : فما علامته ؟ قال : يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة ، قال : ومر بي ركب من كلب ، فخرجت معهم ، فلما بلغوا بي وادي القرى ظلموني وباعوني من يهودي ، فكنت أعمل له في زرعه ونخله ، فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عم له ، فابتاعني منه ، وحملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها ، وبعث الله محمدا بمكة ، ولا أعلم بشئ من أمره ، فبينا أنا في رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لسيدي ، فقال : قاتل الله بنى قيلة ، قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم عليهم من مكة ، يزعمون أنه نبي ، قال : فأخذني القر والانتفاض ، ونزلت عن ( 1 ) النخلة ، وجعلت أستقصي في السؤال ، فما كلمني سيدي بكلمة ، بل قال : أقبل على شأنك ، ودع مالا يعنيك . فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر ، وأتيت به النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقلت له : بلغني أنك رجل صالح ، وأن لك أصحابا غرباء ذوي حاجة ، وهذا شئ عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم ، فقال ( عليه السلام ) لأصحابه : كلوا ، وأمسك فلم يأكل ، فقلت في نفسي : هذه واحدة وانصرفت ، فلما كان من الغد أخذت ما كان بقي عندي وأتيته به ، فقلت له : إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية ،
--> ( 1 ) ب " من " .