ابن أبي الحديد
39
شرح نهج البلاغة
فقال : كلوا وأكل معهم ، فقلت إنه لهو ، فأكببت عليه أقبله وأبكى ، فقال : مالك ؟ فقصصت عليه القصة فأعجبه ، ثم قال : يا سلمان ، كاتب صاحبك ، فكاتبته على ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) للأنصار : " أعينوا أخاكم " ، فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية ، فوضعها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده ، فصحت كلها ، وأتاه مال من بعض المغازي ، فأعطاني منه ، وقال : أد كتابتك ، فأديت وعتقت . وكان سلمان من شيعة على ( عليه السلام ) وخاصته ، وتزعم الامامية إنه أحد الأربعة الذين حلقوا رؤوسهم وأتوه متقلدي سيوفهم في خبر يطول ، وليس هذا موضع ذكره وأصحابنا لا يخالفونهم في أن سلمان كان من الشيعة ، وإنما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك ، وما يذكره المحدثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة : كرديد ونكرديد محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شيئا وما صنعتم ، أي استخلفتم خليفة ونعم ما فعلتم ، إلا أنكم عدلتم عن أهل البيت ، ، فلو كان الخليفة منهم كان أولى والامامية تقول : معناه : " أسلمتم وما أسلمتم واللفظة المذكورة في الفارسية لا تعطى هذا المعنى ، وإنما تدل على الفعل والعمل لا غير ، ويدل على صحة قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن ، فلو كان ما تنسبه الامامية إليه حقا لم يعمل له . فأما ألفاظ الفصل ومعانيه فظاهرة ، ومما يناسب مضمونه قول بعض الحكماء : تعز عن الشئ إذا منعته ، بقلة صحبته لك إذا أعطيته . وكان يقال : الهالك على الدنيا رجلان : رجل نافس في عزها ، ورجل أنف من ذلها .