ابن أبي الحديد

326

شرح نهج البلاغة

فذمها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة ، ذكرتهم الدنيا فذكروا ، وحدثتهم فصدقوا ، ووعظتهم فاتعظوا * * * الشرح : تجرمت على فلان : ادعيت عليه جرما وذنبا ، واستهواه كذا استزله . وقوله ( عليه السلام ) : " فمثلت لهم ببلائها البلاء " ، أي بلاء الآخرة وعذاب جهنم ، وشوقتهم بسرورها إلى السرور أي إلى سرور الآخرة ونعيم الجنة . وهذا الفصل كله لمدح الدنيا ، وهو ينبئ عن اقتداره ( عليه السلام ) على ما يريد من المعاني ، لان كلامه كله في ذم الدنيا ، وهو الان يمدحها ، وهو صادق في ذاك وفى هذا ، وقد جاء عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلام يتضمن مدح الدنيا أو قريبا من المدح ، وهو قوله ( عليه السلام ) : " الدنيا حلوة خضرة ، فمن أخذها بحقها بورك له فيها " . واحتذى عبد الله بن المعتز ( 1 ) حذو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في مدح الدنيا فقال في كلام له : الدنيا دار التأديب ( 2 ) والتعريف ، التي بمكروهها توصل إلى محبوب الآخرة ، ومضمار الأعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان ، ودرجة الفوز التي يرتقى عليها المتقون إلى دار الخلد ، وهي الواعظة لمن عقل ، والناصحة لمن قبل ، وبساط المهل ، وميدان العمل ، وقاصمة الجبارين ، وملحقة الرغم معاطس المتكبرين ، وكاسية التراب أبدان المختالين ، وصارعة المغترين ، ومفرقة أموال الباخلين ، وقاتلة القاتلين والعادلة بالموت على جميع العالمين ، وناصرة المؤمنين ، ومبيرة الكافرين . الحسنات فيها مضاعفة ، والسيئات بآلامها ممحوة ، ومع عسرها يسران ، والله تعالى قد ضمن أرزاق أهلها ، وأقسم في كتابه بما فيها ، ورب طيبة

--> ( 1 ) د : " المغيرة " . ( 2 ) د : " التأدب " .