ابن أبي الحديد

325

شرح نهج البلاغة

( 127 ) الأصل : وقال ( عليه السلام ) وقد سمع رجلا يذم الدنيا : أيها الذام للدنيا ، المغتر بغرورها ، المنخدع بأباطيلها ، أتفتتن بها ثم تذمها ! أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ! متى استهوتك ، أم متى غرتك ! أبمصارع آبائك من البلى ، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ! كم عللت بكفيك ، وكم مرضت بيديك ، تبتغى لهم الشفاء ، وتستوصف لهم الأطباء ، غداة لا يغنى عنهم دواؤك ، ولا يجدي عليهم بكاؤك ! لم ينفع أحدهم إشفاقك ، ولم تسعف فيه بطلبتك ، ولم تدفع عنه بقوتك ، وقد مثلت لك به الدنيا نفسك ، وبمصرعه مصرعك . إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها . مسجد أحباء الله ، ومصلى ملائكة الله ، ومهبط وحى الله ، ومتجر أولياء الله ، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها ، وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثلت لهم ببلائها البلاء ، وشوقتهم بسرورها إلى السرور ! راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ، ترغيبا وترهيبا ، وتخويفا وتحذيرا ،