ابن أبي الحديد
272
شرح نهج البلاغة
فإن قلت : فما مثال الحكمة وخلافها ، وإن لم يذكر ( عليه والسلام ) مثاله ؟ قلت كالشجاعة في القلب وضدها الجبن وكالجود وضده البخل ، وكالعفة وضدها الفجور ، ونحو ذلك . فأما الأمور التي عددها ( عليه السلام ) فكلام مستأنف ، إنما هو بيان أن كل شئ مما يتعلق بالقلب يلزمه لازم آخر نحو الرجاء ، فإن الانسان إذا اشتد رجاؤه أذله الطمع ، والطمع يتبع الرجاء ، والفرق بين الطمع والرجاء أن الرجاء توقع منفعة ممن سبيله أن تصدر تلك المنفعة عنه ، والطمع توقع منفعة ممن يستبعد وقوع تلك المنفعة منه ، ثم قال : وإن هاج به الطمع قتله الحرص ، وذلك لان الحرص يتبع الطمع ، إذا لم يعلم الطامع أنه طامع ، وإنما يظن أنه راج . ثم قال : وإن ملكه اليأس ، قتله الأسف ، أكثر الناس إذا يئسوا أسفوا . ثم عدد الأخلاق وغيرها من الأمور الواردة في الفصل إلى آخره ، ثم ختمه بأن قال : " فكل تقصير به مضر ، وكل إفراط له مفسد " ، وقد سبق كلامنا في العدالة ، وإنها الدرجة الوسطى بين طرفين هما رذيلتان ، والعدالة هي الفضيلة ، كالجود الذي يكتنفه التبذير والامساك والذكاء الذي يكتنفه الغباوة . والجربزة ( 1 ) ، والشجاعة التي يكتنفها الهوج والجبن ، وشرحنا ما قاله الحكماء في ذلك شرحا كافيا ، فلا معنى لإعادته .
--> ( 1 ) الجريرة : الخب والخديعة .