ابن أبي الحديد
271
شرح نهج البلاغة
( 105 ) الأصل : لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه وهو القلب ، وذلك أن له مواد من الحكمة وأضدادا من خلافها ، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ ، وإن غاله الخوف شغله الحذر ، وإن اتسع له الامر استلبته الغرة ، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضته الفاقة شغله البلاء ، وإن جهده الجوع قعدت به الضعة وإن أفرط به الشبع كظته البطنة ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد . * * * الشرح : روى : " قعد به الضعف " . والنياط عرق علق به القلب من الوتين ، فإذا قطع مات صاحبه ، ويقال له النيط أيضا . والبضعة بفتح الباء : القطعة من اللحم ، والمراد بها هاهنا القلب ، وقال يعتور القلب حالات مختلفات متضادات ، فبعضها من الحكمة ، وبعضها - وهو المضاد لها - مناف للحكمة ولم يذكرها ( عليه السلام ) ، وليست الأمور التي عددها شرحا لما قدمه من هذا الكلام المجمل ، وإن ظن قوم أنه أراد ذلك ، ألا ترى أن الأمور مثال الحكمة وخلافها !