ابن أبي الحديد
270
شرح نهج البلاغة
سفيان بن معاوية المهلبي أمير البصرة يومئذ - وكان سفيان واجدا على ابن المقفع لأنه كان يعبث به ويضحك منه دائما ، فغضب سفيان يوما من كلامه ، وافترى عليه ، فرد ابن المقفع عليه ردا فاحشا ، وقال له : يا بن المغتلمة ! وكان يمتنع ويعتصم بعيسى وسليمان ابني علي بن عبد الله بن العباس ، فحقدها سفيان عليه - فلما كوتب في أمره بما كوتب اعتزم قتله ، فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع ، فأدخل ابن المقفع قبلهم ، وعدل به إلى حجرة في دهليزه ، وجلس غلامه بدابته ينتظره على باب سفيان ، فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية ، وعنده غلمانه وتنور نار يسجر ، فقال له سفيان : أتذكر يوم قلت لي كذا ! أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد ، ثم قطع أعضاءه عضوا عضوا ، وألقاها في النار وهو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده ، ثم أطبق التنور عليه ، وخرج إلى الناس فكلمهم ، فلما خرجوا من عنده تخلف غلام ابن المقفع ينتظره فلم يخرج فمضى وأخبر عيسى بن علي وأخاه سليمان بحاله ، فخاصما سفيان بن معاوية في أمره ، فجحد دخوله إليه ، فأشخصاه إلى المنصور ، وقامت البينة العادلة أن ابن المقفع دخل دار سفيان حيا سليما ولم يخرج منها . فقال المنصور : أنا أنظر في هذا الامر إن شاء الله غدا ، فجاء سفيان ليلا إلى المنصور فقال : يا أمير المؤمنين ، اتق الله في صنيعتك ومتبع أمرك ، قال : لا ترع ، وأحضرهم في غد ، وقامت الشهادة ، وطلب سليمان وعيسى القصاص ، فقال المنصور : أرأيتم إن قتلت سفيان بابن المقفع ، ثم خرج ابن المقفع عليكم من هذا الباب - وأومأ إلى باب خلفه - من ينصب لي نفسه حتى أقتله بسفيان ؟ فسكتوا ، واندفع الامر ، وأضرب عيسى وسليمان عن ذكر ابن المقفع بعدها ، وذهب دمه هدرا . قيل للأصمعي : أيما كان أعظم ذكاء وفطنة الخليل أم ابن المقفع ؟ فقال : كان ابن المقفع أفصح وأحكم ، والخليل آدب وأعقل ، ثم قال : شتان ما بين فطنة أفضت بصاحبها إلى القتل ، وفطنه أفضت بصاحبها إلى النسك والزهد في الدنيا ! وكان الخليل قد نسك قبل أن يموت .