ابن أبي الحديد

26

شرح نهج البلاغة

المختلطة عن مسلم ، وكان كتب إليه يطلب منه أن يفرده بالشام ، وأن يوليه العهد من بعده ، وألا يكلفه الحضور عنده . وقرأ أبو عمرو : ( ادخلوا في السلم كافة ) ( 1 ) ، وقال : ليس المعنى بهذا الصلح ، بل الاسلام والايمان لا غير ، ومعنى " ضعفت قواها " ، أي ليس لتلك الطلبات والدعاوى والشبهات التي تضمنها كتابك من القوة ما يقتضى أن يكون المتمسك به مسلما ، لأنه كلام لا يقوله إلا من هو ، إما كافر منافق أو فاسق ، والكافر ليس بمسلم ، والفاسق أيضا أوليس بمسلم - على قول أصحابنا - ولا كافر . ثم قال : " وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم " ، الأساطير : الأباطيل ، واحدها أسطورة بالضم وإسطارة بالكسر والألف . وحوك الكلام : صنعته ونظمه . والحلم : العقل ، يقول له : ما صدر هذا الكلام والهجر الفاسد عن عالم ولا عاقل . ومن رواها " الدهاس " بالكسر فهو جمع دهس ، ومن قرأها بالفتح فهو مفرد ، يقول ، هذا دهس ودهاس بالفتح ، مثل لبث ولباث للمكان السهل الذي لا يبلغ أن يكون رملا ، وليس هو بتراب ولا طين . والديماس بالكسر : السرب المظلم تحت الأرض ، وفى حديث المسيح : " إنه سبط الشعر ، كثير خيلان الوجه ، كأنه خرج من ديماس " ، يعنى في نضرته وكثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن ، لأنه قال في وصفه : كأن رأسه يقطر ماء ، وكان للحجاج سجن اسمه الديماس لظلمته ، وأصله من دمس الظلام يدمس أي اشتد ، وليل دامس وداموس ، أي مظلم : وجاءنا فلان بأمور دمس ، أي مظلمة عظيمة ، يقول له : أنت في كتابك هذا كالخائض في تلك الأرض الرخوة ، وتقوم وتقع ولا تتخلص ، وكالخابط في الليل المظلم يعثر وينهض ولا يهتدى الطريق .

--> ( 1 ) سورة البقرة 208 وانظر تفسير القرطبي 3 : 23 .