ابن أبي الحديد
190
شرح نهج البلاغة
( 54 ) الأصل : الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة . * * * الشرح : قد تقدم لنا قول مقنع في الفقر والغنى ومدحهما وذمهما على عادتنا في ذكر الشئ ونقيضه ، ونحن نذكر هاهنا زيادة على ذلك . قال رجل لبقراط ( 1 ) : ما أشد فقرك أيها الحكيم ؟ قال : لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجع لي ، الفقر ملك أوليس عليه محاسبة . وكان يقال : أضعف الناس من لا يحتمل الغنى . وقيل للكندي : فلان غنى ، فقال : أنا أعلم أن له مالا ، ولكني لا أعلم : أغنى هو أم لا ! لأنني لا أدرى كيف يعمل في ماله ! قيل لابن عمر : توفى زيد بن ثابت وترك مائة ألف درهم ، قال : هو تركها لكنها لم تتركه . وقالوا : حسبك من شرف الفقر أنك لا ترى أحدا يعصى الله ليفتقر ، أخذة الشاعر فقال : يا عائب الفقر ألا تزدجر * عيب الغنى أكبر لو تعتبر إنك تعصى الله تبغى الغنى * وليس تعصى الله كي تفتقر . وكان يقال : الحلال يقطر ، والحرام يسيل .
--> ( 1 ) ا : " سقراط " .