ابن أبي الحديد
170
شرح نهج البلاغة
قلت : لا ، لأنه قادر على أن يسقط عنة العقاب ابتداء ، ولا يجوز إنزال الألم إلا حيث لا يمكن اقتناص العوض المجزى به إليه إلا بطريق الألم ، وإلا كان فعل الألم عبثا ، ألا ترى أنة لا يجوز أن يستحق زيد على عمرو ألف درهم فيضربه ويقول : إنما أضربه لأجعل ما يناله من ألم الضرب مسقطا لما أستحقه من الدراهم عليه ؟ وتذمه العقلاء ويسفهونه ، ويقولون له فهلا وهبتها له ، وأسقطتها عنه من غير حاجة إلى أن تضربه وتؤلمه ! والبحث المستقصى في هذه المسائل مذكور في كتبي الكلامية ، فليرجع إليها . وأيضا فإن الآلام قد تنزل بالأنبياء وليسوا ذوي ذنوب ومعاص ليقال : إنها تحطها عنهم . فأما قولة ( عليه السلام ) : " وإنما الاجر في القول . . . " إلى آخر الفصل ، فإنه ( عليه السلام ) قسم أسباب الثواب أقساما ، فقال : لما كان المرض لا يقتضى الثواب لأنه أوليس فعل المكلف - وإنما يستحق المكلف الثواب على ما كان من فعله - وجب أن يبين ما الذي يستحق به المكلف الثواب ، والذي يستحق المكلف به ذلك أن يفعل فعلا إما من أفعال الجوارح ، وإما من أفعال القلوب ، فأفعال الجوارح إما قول باللسان أو عمل ببعض الجوارح وعبر عن سائر الجوارح - عد اللسان - بالأيدي والاقدام ، لان أكثر ما يفعل بها ، وإن كان قد يفعل بغيرها نحو مجامعة الرجل زوجته إذا قصد به تحصينها وتحصينه عن الزنا ، ونحو أن ينحى حجرا ثقيلا برأسه عن صدر إنسان قد يقتله ، وغير ذلك ، وأما أفعال القلوب فهي العزوم والإرادات والنظر والعلوم والظنون والندم ، فعبر ( عليه السلام ) عن جميع ذلك بقوله : " بصدق النية والسريرة الصالحة ، واكتفى بذلك عن تعديد هذه الأجناس . فإن قلت : فإن الانسان قد يستحق الثواب على ألا يفعل القبيح ، وهذا يخرم الحصر الذي حصره أمير المؤمنين ؟ قلت : يجوز أن يكون يذهب مذهب أبي على في أن القادر بقدرة لا يخلو عن الاخذ والترك .