ابن أبي الحديد
147
شرح نهج البلاغة
لا يعاقب من عصاه بالقتل ، بالخلود في العذاب الأليم ! وقد رأى ما قد عقدت عليه قلبك ، وعملته جوارحك ، ونظر إليه بصرك ، واجترحته يداك ومشت إليه رجلاك . وانظر هل يغنى عنك ما شححت عليه من أمر الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب على ما منحك ! فبكى المنصور وقال : ليتني لم أخلق ! ويحك فكيف أحتال لنفسي ؟ قال : إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ، ويرضون بقولهم ، فاجعلهم بطانتك يرشدوك ، وشاورهم في أمرك يسددوك ، قال : قد بعثت إليهم فهربوا منى قال : نعم خافوا أن تحملهم على طريقك ، ولكن افتح بابك ، وسهل حجابك وانظر المظلوم ، واقمع الظالم ، وخذ الفئ والصدقات مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل على أهله ، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة . وجاء المؤذنون فسلموا عليه ، ونادوا بالصلاة ، فقام وصلى ، وعاد إلى مجلسه ، فطلب الرجل فلم يوجد ( 1 ) . وروى أبن قتيبة أيضا في الكتاب المذكور أن عمرو بن عبيد قال للمنصور : إن الله أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك منه ببعضها ، واذكر ليلة تتمخض لك صبيحتها عن يوم القيامة - قال : يعنى ليلة موته - فوجم المنصور ، فقال الربيع : حسبك ، فقد عممت أمير المؤمنين ، فقال عمرو بن عبيد : إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير عليه أن ينصحك يوما واحدا ، ولم يعمل وراء بابك بشئ مما في كتاب الله ولا في سنة نبيه ! قال أبو جعفر : فما أصنع ؟ قد قلت لك ، خاتمي في يدك فهلم أنت وأصحابك فاكفني ، فقال عمرو : دعنا بعدلك نسخ بأنفسنا بعونك ، وببابك مظالم كثيرة ( 2 ) ، فارددها نعلم أنك صادق ( 2 ) .
--> ( 1 ) عيون الأخبار 2 : 333 - 337 . ( 2 ) عيون الأخبار : " ألف مظلمة " .