ابن أبي الحديد

146

شرح نهج البلاغة

دارك ، وإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك وقد نهيت عن ذلك ، ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ، فإن جاء المتظلم إليه أرسلوا إلى صاحب المظالم ألا يرفع إليك قصته ، ولا يكشف لك حاله ، فيجيبهم خوفا منك ، فلا يزال المظلوم يختلف نحوه ، ويلوذ به ، ويستغيث إليه وهو يدفعه ، ويعتل عليه ، وإذا أجهد وأحرج ، وظهرت أنت لبعض شأنك صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر ولا تنكر ، فما بقاء الاسلام على هذا ! ولقد كنت أيام شبيبتي أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه ، فبكى بكاء شديدا ، فحداه ( 1 ) جلساؤه على الصبر ، فقال : أما إني لست أبكى للبلية النازلة ، ولكن أبكى للمظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته ! ثم قال : أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب ، نادوا في الناس ألا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم ( 2 ) ، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره ينظر هل يرى مظلوما ! فهذا مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين على شح نفسه ، وأنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك ! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله تعالى عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه ، ماله على الأرض مال ، وما من مال يومئذ إلا ودونه يد شحيحة تحويه ، فلا يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبه الناس إليه ولست بالذي تعطى ، ولكن الله يعطى من يشاء ما يشاء ، وإن قلت : إنما أجمع المال لتشييد السلطان ، فقد أراك الله عبرا في بنى أمية ، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة ، وأعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد ، وإن قلت : أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها ، فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ما أنت عليه ، انظر هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل ؟ قال : لا قال : فإن الملك الذي خولك ما خولك

--> ( 1 ) عيون الأخبار : " فحثه " .