ابن أبي الحديد
110
شرح نهج البلاغة
مكانك ، فإنما هو عذر أو يمين ، فقد وهبتهما لك ، وقد تكرر منك ذلك ، فلا تزال تسئ ونحسن ، وتذنب ونغفر ، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك ! وكان يقال : أحسن أفعال القادر العفو ، وأقبحها الانتقام . وكان يقال : ظفر الكريم عفو ، وعفو ( 1 ) اللئيم عقوبة . وكان يقال : رب ذنب مقدار العقوبة عليه إعلام المذنب به ، ولا يجاوز به حد الارتفاع إلى الايقاع وكان يقال : ما عفا عن الذنب من قرع به . ومن الحلم الذي يتضمن كبرا مستحسنا ، ما روى أن مصعب بن الزبير لما ولى العراق عرض الناس ليدفع إليهم أرزاقهم ، فنادى مناديه : أين عمرو بن جرموز ؟ فقيل له : أيها الأمير ، إنه أبعد في الأرض ، قال : أو ظن الأحمق أنى أقتله بأبي عبد الله ! قولوا له : فليظهر آمنا ، وليأخذ عطاءه مسلما . وأكثر رجل من سب الأحنف وهو لا يجيبه ، فقال الرجل : ويلي عليه ! والله ما منعه من جوابي إلا هواني عنده ! وقال لقيط بن زرارة : فقل لبني سعد ومالي وما لكم * ترقون منى ما استطعتم وأعتق أغركم أنى بأحسن شيمة * بصير وأنى بالفواحش أخرق ! وأنك قد ساببتني فقهرتني * هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق وقال المأمون لإبراهيم بن المهدى لما ظفر به : إني قد شاورت في أمرك ، فأشير على بقتلك ، إلا أنى وجدت قدرك فوق ذنبك ، فكرهت قتلك للازم حرمتك . فقال إبراهيم يا أمير المؤمنين ، إن المشير أشار بما تقتضيه السياسة ، وتوجيه العادة ، إلا أنك أبيت أن
--> ( 1 ) من د : " وظفر " .