ابن أبي الحديد

82

شرح نهج البلاغة

ظل مملكة فلا تستزيلنه . قارب الناس مجاملة من نفسك ، وباعدهم مسامحة عن عدوك ، واقصد إلى الجميل ازدراعا لغدك ، وتنزه بالعفاف صونا لمروءتك ، وتحسن عندي بما قدرت عليه . احذر لا تسرعن الألسنة عليك ، ولا تقبحن الأحدوثة عنك ، وصن نفسك صون الدرة الصافية ، وأخلصها إخلاص الفضة البيضاء ، وعاتبها معاتبة الحذر المشفق ، وحصنها تحصين المدينة المنيعة ، لا تدعن أن ترفع إلى الصغير فإنه يدل على ( 1 ) الكبير ، ولا تكتمن عنى الكبير فإنه ليس بشاغل عن الصغير . هذب أمورك ثم القنى بها ، وأحكم أمرك ثم راجعني فيه ، ولا تجترئن على فامتعض ، ولا تنقبضن منى فأتهم ، ولا تمرضن ما تلقاني به ولا تخدجنه ( 2 ) ، وإذا أفكرت فلا تجعل ، وإذا كتبت فلا تعذر ، ولا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية ، ولا تقصرن عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة ، ولا تلبس كلاما بكلام ، ولا تبعدن معنى عن معنى . وأكرم لي كتابك عن ثلاث : خضوع يستخفه ، وانتشار يهجنه ، ومعان تعقد به . واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول وليكن بسطة كلامك على كلام السوقة كبسطة الملك الذي تحدثه على الملوك . لا يكن ما نلته عظيما ، وما تتكلم به صغيرا ، فإنما كلام الكاتب على مقدار الملك ، فاجعله عاليا كعلوه ، وفائقا كتفوقه ، فإنما جماع الكلام كله خصال أربع : سؤالك الشئ ، وسؤالك عن الشئ وأمرك بالشئ وخبرك عن الشئ ، فهذه الخصال دعائم المقالات ، إن التمس إليها خامس لم يوجد ، وإن نقص منها واحد لم يتم ، فإذا أمرت فأحكم ، وإذا سألت فأوضح ، وإذا طلبت فأسمح ، وإذا أخبرت فحقق ، فإنك إذا فعلت ذلك أخذت بجراثيم القول كله ، فلم يشتبه عليك واردة ، ولم تعجزك صادره . أثبت في دواوينك ما أخذت ، وأحص فيها ما أخرجت ، وتيقظ لما تعطى ، وتجرد لما تأخذ ولا يغلبنك النسيان عن الإحصاء ، ولا الأناة عن التقدم ، ولا تخرجن .

--> ( 1 ) كذا في ا ، وهو الوجه ، وفى ب : " عن الكبير " . ( 2 ) التمريض : التوهين ، والتخديج : أن تأتى بالشئ ناقصا