ابن أبي الحديد
81
شرح نهج البلاغة
وكما لا يصلح الملك إلا بمن يستحق الملك ، كذلك لا تصلح الوزارة إلا بمن يستحق الوزارة . وكان يقال : الوزير الصالح لا يرى أن صلاحه في نفسه كائن صلاحا حتى يتصل بصلاح الملك وصلاح رعيته ، وأن تكون عنايته فيما عطف الملك على رعيته ، وفيما استعطف قلوب الرعية والعامة على الطاعة للملك ، وفيما فيه قوام أمر الملك من التدبير الحسن ، حتى يجمع إلى أخذ الحق تقديم عموم الامن . وإذا طرقت الحوادث ، كان للملك عدة وعتادا ، وللرعية كافيا محتاطا ، ومن ورائها محاميا ذابا ، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونها . وكان يقال : مثل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسدا مثل الماء العذب الصافي وفيه التمساح ، لا يستطيع الانسان - وإن كان سابحا ، وإلى الماء ظامئا - دخوله ، حذرا على نفسه . قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي حين استخلف : لو كنت كاتبي وردءا لي على ما دفعت إليه ! قال : لا أفعل ، ولكني سأرشدك ، أسرع الاستماع ، وأبطئ في التصديق حتى يأتيك واضح البرهان ، ولا تعملن ثبجتك فيما تكتفي فيه بلسانك ، ولا سوطك فيما تكتفي فيه بثبجتك ، ولا سيفك فيما تكتفي فيه بسوطك . وكان يقال : التقاط الكاتب للرشا وضبط الملك لا يجتمعان . وقال أبرويز لكاتبه : اكتم السر ، وأصدق الحديث ، واجتهد في النصيحة ، وعليك بالحذر ، فإن لك على ألا أعجل عليك حتى أستأني لك ، ولا أقبل فيك قولا حتى أستيقن ، ولا أطمع فيك أحدا فتغتال ، واعلم أنك بمنجاة ( 1 ) رفعة فلا تحطنها ، وفي .
--> ( 1 ) المنجاة : ما ارتفع من الأرض