ابن أبي الحديد

57

شرح نهج البلاغة

على تعقيب نجاح رأيه أيام كنت أؤدي إليه من تكلف تعليمي إياه ما أصبحت قاضيا على نفسي بالحاجة إلى تعلمه منه . ومهما يكن منى إليه في ذلك ، فإنما هو عقل مردود إلى عقله ، مستنبطة أو إليه وتواليه من علمه وحكمته . وقد جلا إلى كتاب الملك ومخاطبته إياي ومسألته لي عما لا يتخالجني الشك في لقاح ذلك وإنتاجه من عنده ، فعنه صدر وعليه ورد وأنا فيما أشير به على الملك - وإن اجتهدت فيه واحتشدت له ، وتجاوزت حد الوسع والطاقة منى في استنظافه واستقصائه - كالعدم مع الوجود بل كما لا يتجزأ في جنب معظم الأشياء ولكني غير ممتنع من إجابة الملك إلى ما سأل ، مع علمي ويقيني بعظيم غناه عنى ، وشدة فاقتي إليه ، وأنا راد إلى الملك ما اكتسبته منه ، ومشير عليه بما أخذته ، منه فقائل له : إن لكل تربة لا محاله قسما من الفضائل ، وإن لفارس قسمها من النجدة والقوة ، وإنك ان تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء على أعقابهم ، وتورث سفلتهم على منازل عليتهم ، وتغلب أدنياءهم على مراتب ذوي أخطارهم ، ولم يبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم وأشد توهينا لسلطانهم من غلبة السفلة ، وذل الوجوه فاحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة والحركة ، فإنه إن نجم منهم بعد اليوم على جندك وأهل بلادك ناجم دهمهم منه ما لا روية فيه ، ولا بقية معه فانصرف عن هذا الرأي إلى غيره ، واعمد إلى من قبلك من أولئك العظماء والأحرار ، فوزع بينهم مملكتهم ، وألزم اسم الملك كل من وليته منهم ناحيته ، واعقد التاج على رأسه وإن صغر ملكه ، فإن المتسمى بالملك لازم لاسمه والمعقود التاج على رأسه لا يخضع لغيره ، فليس ينشب ( 1 ) ذلك أن يوقع كل ملك منهم بينه وبين صاحبه تدابرا وتقاطعا وتغالبا على الملك ، وتفاخرا بالمال والجند ، حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك وأوتارهم فيك ، ويعود حربهم لك حربا .

--> ( 1 ) ا : " يلبث "