ابن أبي الحديد

58

شرح نهج البلاغة

بينهم ، وحنقهم عليك حنقا منهم على أنفسهم ثم لا يزدادون في ذلك بصيرة إلا أحدثوا لك بها استقامة ، إن دنوت منهم دانوا لك ، وإن نأيت عنهم تعززوا بك ، حتى يثب من ملك منهم على جاره باسمك ، ويسترهبه بجندك ، وفي ذلك شاغل لهم عنك ، وأمان لإحداثهم بعدك ، وإن كان لا أمان للدهر ، ولا ثقة بالأيام . قد أديت إلى الملك ما رايته لي حظا ، وعلى حقا من إجابتي إياه إلى ما سألني عنه ، ومحضته النصيحة فيه ، والملك أعلى عينا ، وأنفذ روية ، وأفضل رأيا ، وأبعد همة فيما استعان بي عليه ، وكلفني بتبيينه والمشورة عليه فيه . لا زال الملك متعرفا من عوائد النعم وعواقب الصنع وتوطيد الملك ، وتنفيس الاجل ، ودرك الامل ، ما تأتى فيه قدرته على غاية قصوى ما تناله قدرة البشر ! والسلام الذي لا انقضاء له ، ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء ، فليكن على الملك . قالوا : فعمل الملك برأيه ، واستخلف على إيران شهر أبناء الملوك والعظماء من أهل فارس ، فهم ملوك الطوائف الذين بقوا بعده ، والمملكة موزعة بينهم إلى أن جاء أردشير ابن بابك فانتزع الملك منهم . * * * الأصل : ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن ، لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه . وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم وأصبرهم