ابن أبي الحديد
43
شرح نهج البلاغة
أتى الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له ما تقول في الحجاج قال : وما عسيت أن أقول فيه ! هل هو إلا خطيئة من خطاياك ، وشرر من نارك ؟ فلعنك الله ولعن الحجاج معك ! وأقبل يشتمهما ، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فقال : ما تقول في هذا ؟ قال : ما أقول فيه ! هذا رجل يشتمكم ، فإما أن تشتموه كما شتمكم ، وإما أن تعفوا عنه . فغضب الوليد وقال لعمر : ما أظنك إلا خارجيا ! فقال عمر : وما أظنك إلا مجنونا ، وقام فخرج مغضبا ، ولحقه خالد ب الريان صاحب شرطة الوليد ، فقال له ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين ! لقد ضربت بيدي إلى قائم سيفي أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك ، قال أو كنت فاعلا لو أمرك قال نعم فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان فوقف على رأسه متقلدا سيفه ، فنظر إليه وقال : يا خالد ، ضع سيفك فإنك مطيعنا في كل أمر نأمرك به - وكان بين يديه كاتب للوليد ، فقال له : ضع أنت قلمك ، فإنك كنت تضر به وتنفع اللهم إني قد وضعتهما فلا ترفعهما ، قال : فوالله ما زالا وضيعين مهينين حتى ماتا . وروى الغزالي في كتاب " إحياء علوم الدين " قال لما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو الله لك ويرحمك ، فقد أصبحت شيخا كبيرا ، وقد أثقلتك نعم الله عليك بما فهمك من كتابه ، وعلمك من سنة نبيه ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء ، فإنه تعالى قال : ( لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) ( 1 ) . واعلم أن أيسر ما ارتكبت ، واخف ما احتملت انك آنست وحشة الظالم ، وسهلت سبيل الغي بدنوك إلى من لم يؤد حقا ، ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك أبا بكر قطبا تدور .
--> ( 1 ) سورة آل عمران 187