ابن أبي الحديد
195
شرح نهج البلاغة
الطعن الخامس قالوا : إنه ( صلى الله عليه وآله ) لم يول أبا بكر الأعمال وولى غيره ولما ولاه الحج بالناس وقراءة سورة براءة على الناس ، عزله عن ذلك كله . وجعل الامر إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وقال : " لا يؤدي عنى إلا أنا أو رجل منى " ، حتى يرجع أبو بكر إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) . أجاب قاضي القضاة فقال : لو سلمنا أنه لم يوله ، لما دل ذلك على نقص ، ولا على أنه لم يصلح للإمارة والإمامة ، بل لو قيل : إنه لم يوله لحاجته إليه بحضرته ، وإن ذلك رفعة له لكان أقرب ، لا سيما ، وقد روى عنه ما يدل على أنهما وزيراه ، وأنه كان ( صلى الله عليه وآله ) محتاجا إليهما ، وإلى رأيهما ، فلذلك لم يولهما ، ولو كان للعمل على تركه فضل لكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما أفضل من أكابر الصحابة ، لأنه ( عليه السلام ) ولاهما وقدمهما ، وقد قدمنا أن توليته هي بحسب الصلاح ، وقد يولى المفضول على الفاضل تارة والفاضل أخرى ، وربما ولى الواحد لاستغنائه عنه بحضرته ، وربما ولاه لاتصال بينه وبين من يولى عليه ، إلى غير ذلك . ثم ادعى أنه ولى أبا بكر على الموسم والحج قد ثبتت بلا خلاف بين أهل الأخبار ولم يصح أنه عزله ولا يدل رجوع أبى بكر إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) مستفهما عن القصة على العزل ، ثم جعل إنكار من أنكر حج أبى بكر في تلك السنة بالناس ، كإنكار عباد وطبقته أخذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سورة براءة من أبى بكر . وحكى عن أبي على أن المعنى كان في أخذ السورة من أبى بكر أن من عاده العرب أن سيدا من سادات قبائلهم إذا عقد عقد القوم ، فإن ذلك العقد لا ينحل إلا أن يحله هو أو بعض سادات قومه ، فلما كان هذا عادتهم وأراد النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن ينبذ ( 1 ) إليهم عقدهم ، وينقض ما كان بينه وبينهم علم
--> ( 1 ) نبذ العقد : نقضه .