ابن أبي الحديد

172

شرح نهج البلاغة

للملك بعده باستعماله على طرف من الأطراف ، ولا جيش من الجيوش ، وإنما كانوا يثقفونهم بالآداب والفروسية في مقار ملكهم لا غير والحال في ملوك الاسلام كذلك ، فقد سمعنا بالدولة الأموية ، ورأينا الدولة العباسية ، فلم نعرف الدولة التي ادعاها المرتضى ، وإنما قد يقع في الأقل النادر شئ مما أشار إليه ، والأغلب الأكثر خلاف ذلك ، على أن أصحابنا لا يقولون إن عمر كان مرشحا للخلافة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليقال لهم : فلو كان قد رشحه للخلافة بعده لاستكفاه كثيرا من أموره ، وإنما عمر مرشح عندهم في أيام أبى بكر للخلافة بعد أبي بكر ، وقد كان أبو بكر استعمله على القضاء مدة خلافته ، بل كان هو الخليفة في المعنى ، لأنه فوض إليه أكثر التدبير ، فعلى هذا يكون قد سلمنا أن ترك استعمال النبي ( صلى الله عليه وآله ) لعمر يدل على أنه غير مرشح في نظره للخلافة بعده ، وكذلك نقول : ولا يلزم من ذلك ألا يكون خليفة بعد أبي بكر ، على أنا لا نسلم أنه ما استعمله ، فقد ذكر الواقدي وابن إسحاق أنه بعثه في سرية في سنة سبع من الهجرة إلى الوادي المعروف ببرمة - بضم الباء وفتح الراء - وبها جمع من هوازن ، فخرج ومعه دليل من بنى هلال ، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار ، وأتى الخبر هوازن فهربوا ، وجاء عمر محالهم ، فلم يلق منهم أحدا ، فانصرف إلى المدينة . ثم يعارض المرتضى بما ذكره قاضي القضاة من ترك تولية على ابنه الحسين ( عليهما السلام ) ، وقوله في العذر عن ذلك : إن عليا ( عليه السلام ) كان ممنوا بحرب البغاة والخوارج لا يدفع المعارضة ، لان تلك الأيام التي هي أيام حروبه مع هؤلاء هي الأيام التي كان ينبغي أن يولى الحسين ( عليه السلام ) بعض الأمور فيها ، كاستعماله على جيش ينفذه سرية إلى بعض الجهات ، واستعماله على الكوفة بعد خروجه منها إلى حرب صفين ، أو استعماله على القضاء ،