ابن أبي الحديد

169

شرح نهج البلاغة

من أعماله البتة إلا ما ولاه يوم خيبر ، فرجع منهزما وولاه الصدقة ، فلما شكاه العباس عزله . أجاب قاضي القضاة بأن تركه ( عليه السلام ) أن يوليه لا يدل على أنه لا يصلح لذلك ، وتوليته إياه لا يدل على صلاحيته للإمامة ، فإنه ( صلى الله عليه وآله ) قد ولى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، ولم يدل ذلك على صلاحيتهما للإمامة وكذلك تركه أن يولى لا يدل على أنه غير صالح ، بل المعتبر بالصفات التي تصلح للإمامة ، فإذا كملت صلح لذلك ، ولى من قبل أو لم يول ، وقد ثبت أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ترك أن يولى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أمورا كثيره ولم يجب إلا من يصلح لها ، وثبت أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يول الحسين ( عليه السلام ) ابنه ، ولم يمنع ذلك من أن يصلح للإمامة ، وحكى عن أبي على أن ذلك إنما كان يصح أن يتعلق به لو ظفروا بتقصير من عمر فيما تولاه ، فأما وأحواله معروفة في قيامه بالامر حين يعجز غيره ، فكيف يصح ما قالوه ! وبعد فهلا دل ما روى من قوله : وإن تولوا عمر تجدوه قويا في أمر الله ، قويا في بدنه على جواز ذلك ! وإن ترك النبي ( صلى الله عليه وآله ) توليته ، لان هذا القول أقوى من الفعل ( 1 ) . اعترض المرتضى رحمه الله فقال : قد علمنا بالعادة أن من ترشح لكبار الأمور لابد من أن يدرج إليها بصغارها ، لان من يريد بعض الملوك تأهيله للامر من بعده لابد من أن ينبه عليه بكل قول وفعل يدل على ترشيحه لهذه المنزلة ، ويستكفيه من أمور ولآياته ( 2 ) ما يعلم عنده أو يغلب على ظنه صلاحه لما يريده له . وإن من يرى الملك مع حضوره وامتداد الزمان وتطاوله لا يستكفيه شيئا من الولايات ، ومتى ولاه عزله وإنما يولى غيره ويستكفي سواه ، لابد أن يغلب في الظن أنه ليس بأهل للولاية ، وإن جوزنا أنه لم يوله لأسباب كثيرة سوى أنه لا يصلح للولاية ، إلا أن مع هذا التجويز لا بد أن .

--> ( 1 ) نقله المرتضى في الشافي 419 . ( 2 ) الشافي : من أموره وولاياته "