ابن أبي الحديد
162
شرح نهج البلاغة
وسوسته ، وأكلهما من الشجرة فكيف يقول المرتضى : ليس قول أبى بكر بمنزله من وسوس له الشيطان فلم يطعه ! وكذلك قوله تعالى في قصة موسى لما قتل القبطي : ( هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ) ، وكذلك قوله : ( فأزلهما الشيطان عنها ) ، وقوله : ( ألقى الشيطان في أمنيته ) ، وما ذهب إليه المرتضى من التأويلات مبنى على مذهبه في العصمة الكلية ، وهو مذهب يحتاج في نصرته إلى تكلف شديد وتعسف عظيم في تأويل الآيات ، على أنه إذا سلم أن الشيطان ألقى في تلاوة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ما ليس من القرآن حتى ظنه السامعون كلاما من كلام الرسول ، فقد نقض دلالة التنفير المقتضية عنده في العصمة لأنه لا تنفير عنده أبلغ من تمكين الله الشيطان أن يخلط كلامه بكلامه ، ورسوله يؤديه إلى المكلفين حتى يعتقد السامعون كلهم أن الكلامين كلام واحد . وأما قوله : إن آدم كان مندوبا إلى ألا يأكل من الشجرة لا محرم عليه أكلها ، ولفظة " عصى " إنما المراد بها خالف المندوب ( 1 ) ، ولفظة " غوى " ، إنما المراد " خاب : من حيث لم يستحق الثواب على اعتماد ما ندب إليه ، فقول يدفعه ظاهر الآية لان الصيغة صيغة النهي ، وهي قوله : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) والنهى عند المرتضى يقتضى التحريم لا محالة ، وليس الامر الذي قد يراد به الندب ، وقد يراد به الوجوب . وأما قول شيخنا أبى على : إن كلام أبى بكر خرج مخرج الاشفاق والحذر من المعصية عند الغضب فجيد . واعتراض المرتضى عليه بأنه ليس ظاهر اللفظ ذاك غير لازم ، لأن هذه عادة العرب ، يعبرون عن الامر بما هو منه بسبب وسبيل ، كقولهم : لا تدن من الأسد فيأكلك ، فليس أنهم قطعوا على الاكل عند الدنو ، وإنما المراد الحذر والخوف والتوقع للاكل عند الدنو . .
--> ( 1 ) ا : " الندب "