ابن أبي الحديد

163

شرح نهج البلاغة

وأما الكلام في قوله : " أقيلوني " ، فلو صح الخبر لم يكن فيه مطعن عليه ، لأنه إنما أراد في اليوم الثاني اختبار حالهم في البيعة التي وقعت في اليوم الأول ليعلم وليه من عدوه منهم ، وقد روى جميع أصحاب السير أن أمير المؤمنين خطب في اليوم الثاني من بيعته فقال : أيها الناس ، إنكم بايعتموني على السمع والطاعة وأنا أعرض اليوم عليكم ما دعوتموني إليه أمس ، فإن أجبتم قعدت لكم ، وإلا فلا أجد على أحد . وليس بجيد قول المرتضى : أنه لو كان يريد العرض والبذل لكان قد قال كذا وكذا . فإن هذه مضايقة منه شديدة للألفاظ ، ولو شرعنا في مثل هذا لفسد أكثر ما يتكلم به الناس . على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البيعة حقيقة ، فلم قال المرتضى : إن ذلك لا يجوز ؟ أليس يجوز للقاضي أن يستقيل من القضاء بعد توليته ( 1 ) إياه ، ودخوله فيه ! فكذلك يجوز للامام أن يستقيل من الإمامة إذا انس من نفسه ضعفا عنها ، أو أنس من رعيته نبوة عنه ، أو أحس بفساد ينشأ في الأرض من جهة ولايته على الناس ، ومن يذهب إلى أن الإمامة تكون بالاختيار كيف يمنع من جواز استقالة الامام وطلبه إلى الأمة أن يختاروا غيره لعذر يعلمه من حال نفسه ! وإنما يمنع من ذلك المرتضى وأصحابه القائلون بأن الإمامة بالنص ، وإن الامام محرم عليه ألا يقوم بالإمامة ، لأنه مأمور بالقيام بها لتعينه خاصة دون كل أحد من المكلفين . وأصحاب الاختيار يقولون : إذا لم يكن زيد إماما كان عمرو إماما عوضه ، لأنهم لا يعتبرون الشروط التي يعتبرها الامامية من العصمة ، وأنه أفضل أهل عصره وأكثرهم ثوابا وأعلمهم وأشجعهم ، وغير ذلك من الشروط التي ؟ تقتضي تفرده وتوحده بالامر ، على أنه إذا جاز عندهم أن يترك الامام الإمامة في الظاهر كما فعله الحسن ، وكما فعله غيره من الأئمة بعد الحسين ( عليه السلام ) للتقية جاز للامام .

--> ( 1 ) كذا في ا ود ، وفى ب : " توليه "