ابن أبي الحديد
161
شرح نهج البلاغة
غضب فالزيادة فيما ذكره المرتضى في قوله : " إن لي شيطانا يعتريني عند غضبي " ، تحريف لا محالة ، ولو كان له شيطان من الجن يعتاده وينوبه لكان في عداد المصروعين من المجانين وما ادعى أحد على أبى بكر هذا لا من أوليائه ولا من أعدائه ، وإنما ذكرنا خطبته على طولها والمراد منها كلمة واحدة ، لما فيها من الفصاحة والموعظة على عادتنا في الاعتناء بإيداع هذا الكتاب ما كان ذاهبا هذا المذهب ، وسالكا هذا السبيل . فأما قول المرتضى : " فهذه صفه من ليس بمعصوم " ، فالامر كذلك والعصمة عندنا ليست شرطا في الإمامة ولو لم يدل على عدم اشتراطها ، إلا أنه قال على المنبر بحضور الصحابة هذا القول ، وأقروه على الإمامة - لكفى في عدم كون العصمة شرطا ، لأنه قد حصل الاجماع على عدم اشتراط ذلك ، إذ لو كان شرطا لأنكر منكر إمامته كما لو قال : إني لا أصبر عن شرب الخمر وعن الزنى . فأما قوله : " هذه صفة طائش لا يملك نفسه " ، فلعمري إن أبا بكر كان حديدا ، وقد ذكره عمر بذلك ، وذكره غيره من الصحابة بالحدة والسرعة ولكن لا بحيث أن تبطل أهليته للإمامة ، لان الذي يبطل الإمامة من ذلك وما يخرج الانسان عن العقل ، وأما هو دون ذلك فلا . وليس قوله : " فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم " محمول على ظاهره ، وإنما أراد به المبالغة في وصف القوة الغضبية عنده ، وإلا فما سمعنا ولا نقل ناقل من الشيعة ولا من غير الشيعة أن أبا بكر في أيام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولا في الجاهلية ولا في أيام خلافته احتد على إنسان فقام إليه فضربه بيده ومزق شعره . فأما ما حكاه قاضي القضاة عن الشيخ أبى على من تشبيه هذه اللفظة بما ورد في القرآن ، فهو على تقدير أن يكون أبو بكر عنى الشيطان حقيقة . وما اعترض به المرتضى ثانية عليه غير لازم ، لان الله تعالى قال : فوسوس لهما الشيطان ) ، وتعقب ذلك قبولهما