ابن أبي الحديد
160
شرح نهج البلاغة
أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فلطاعة أتيتموها ، وحظ ظفرتم به ، وضرائب أديتموها ، وسلف قدمتموه من إيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم ، فاعتبروا عباد الله بمن مات منكم ، وتفكروا فيمن كان قبلكم ، أين كانوا أمس وأين هم اليوم ! أين الجبارون ؟ أين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحرب ؟ قد تضعضع بهم الدهر ، وصاروا رميما ، قد تركت عليهم القالات الخبيثات ، وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات . وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها ! قد بعدوا بسيئ ذكرهم ، وبقى ذكرهم وصاروا كلا شئ ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات ، وقطع عنهم الشهوات ومضوا والأعمال أعمالهم ، والدنيا دنيا غيرهم ، وبقينا خلفا من بعدهم فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا ، وإن اغتررنا كنا مثلهم ، أين الوضاء ( 1 ) الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ! صاروا ترابا ، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم ، أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها العجائب ، وتركوها لمن خلفهم ! فتلك مساكنهم خاوية ، وهم في ظلم القبور ، ( هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) ( 2 ) . أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم ! قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا عليه ، وأقاموا للشقوة وللسعادة . ألا إن الله لا شريك له ، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ، ولا يصرف عنه به شرا إلا بطاعته واتباع أمره واعلموا أنكم عباد مدينون ، وأن ما عنده لا يدر ك إلا بتقواه وعبادته . ألا وإنه لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعد الجنة ( 3 ) . فهذه خطبتا أبى بكر يوم السقيفة ، واليوم الذي يليه ، إنما قال : " إن لي شيطانا يعتريني ، وأراد بالشيطان الغضب ، ولم يرد أن له شيطانا من مردة الجن يعتريه إذا .
--> ( 1 ) الوضاء : ذووا الوضاءة والحسن . ( 2 ) سورة مريم : 98 . ( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 223 ، 225