ابن أبي الحديد
126
شرح نهج البلاغة
في العمر تنفسا ، وفى الملك سلامة ازداد من هذه الطبائع والأخلاق حتى يسلمه ذلك إلى سكر السلطان الذي هو أشد من سكر الشراب ، فينسى النكبات والعثرات ، والغير والدوائر وفحش تسلط الأيام ، ولؤم غلبة الدهر ، فيرسل يده بالفعل ولسانه بالقول . وعند حسن الظن بالأيام تحدث الغير ، وتزول النعم ، وقد كان من أسلافنا وقدماء ملوكنا من يذكره عزه الذل ، وأمنه الخوف ، وسروره الكآبة ، وقدرته المعجزة ، وذلك هو الرجل الكامل قد جمع بهجة الملوك ، وفكرة السوقة ، ولا كمال إلا في جمعها . واعلموا أنكم ستبلون على الملك بالأزواج والأولاد والقرباء والوزراء والأخدان ، والأنصار والأعوان والمتقربين والندماء والمضحكين ، وكل هؤلاء - إلا قليلا - أن يأخذ لنفسه أحب إليه من أن يعطى منها عمله ، وإنما عمله سوق ليومه ، وذخيرة لغده ، فنصيحته للملوك فضل نصيحته لنفسه وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه ، وغاية الفساد عنده فسادها ، يقيم للسلطان سوق المودة ما أقام له سوق الأرباح والمنافع ، إذا استوحش الملك من ثقاته أطبقت عليه ظلم الجهالة . أخوف ما يكون العامة [ آمن ما يكون الوزراء ، وآمن ما يكون العامة ( 1 ) ] أخوف ما يكون الوزراء . واعلموا أن كثيرا من وزراء الملوك من يحاول استبقاء دولته وأيامه بإيقاع الاضطراب ، والخبط في أطراف مملكة الملك ، ليحتاج الملك إلى رأيه وتدبيره ، فإذا عرفتم هذا من وزير من وزرائكم فاعزلوه فإنه يدخل الوهن والنقص على الملك والرعية لصلاح حال نفسه ، ولا تقوم نفسه بهذه النفوس كلها . واعلموا أن بدء ذهاب الدولة ينشأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة ، فإذا نشأ الفراغ تولد منه النظر في الأمور ، والفكر في الفروع والأصول . فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة فتختلف بهم المذاهب ، ويتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم ، وهم مع اختلافهم هذا متفقون ومجتمعون على بغض الملوك ، فكل صنف منهم أنما يجرى إلى فجيعة الملك ، بملكه ، ولكنهم لا يجدون سلما إلى .
--> ( 1 ) تكملة من د بها يستقيم الكلام