ابن أبي الحديد

127

شرح نهج البلاغة

ذلك أوثق من الدين والناموس ، ثم يتولد من تعاديهم أن الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد ، فإن انفرد ؟ باختصاص بعضهم صار عدو بقيتهم ، ولى طباع العامة استثقال الولاة وملالهم ، والنفاسة ( 1 ) عليهم ، والحسد لهم ، وفى الرعية المحروم والمضروب والمقام عليه الحدود ، ويتولد من كثرتهم مع عداوتهم أن يجبن الملك عن الاقدام عليهم ، فإن في إقدام الملك على الرعية كلها كافة تغريرا بملكه . ويتولد من جبن الملك عن الرعية استعجالهم عليه ، وهم أقوى عدو له وأخلقه بالظفر ، لأنه حاضر مع الملك في دار ملكه ، فمن أفضى إليه الملك بعدي فلا يكونن بإصلاح جسده أشد اهتماما منه بهذه الحال ، ولا تكونن لشئ من الأشياء أكره وأنكر لرأس صار ذنبا ، وذنب صار رأسا ، ويد مشغولة وصارت فارغة ، أو غنى صار فقيرا ، أو عامل مصروف ، أو أمير معزول . واعلموا أن سياسة الملك وحراسته ألا يكون ابن الكاتب إلا كاتبا ، وابن الجندي إلا جنديا ، وابن التاجر إلا تاجرا ، وهكذا في جميع الطبقات ، فإنه يتولد من تنقل الناس عن حالاتهم أن يلتمس كل امرئ منهم فوق مرتبته ، فإذا انتقل أو شك أن يرى شيئا أرفع مما انتقل إليه ، فيحسد أو ينافس ، وفى ذلك من الضرر المتولد ما لا خفاء به ، فإن عجز ملك منكم عن إصلاح رعيته كما أوصيناه فلا يكون للقميص القمل أصرع خلعا منه لما لبس من قميص ذلك الملك . واعلموا أنه ليس ملك إلا وهو كثير الذكر لمن يلي الامر بعده ، ومن فساد أمر الملك نشر ذكره ولاة العهود ، فإن في ذلك ضروبا من الضرر ، وأن ذلك دخول عداوة بين الملك وولى عهده ، لأنه تطمح عينه إلى الملك ، ويصير له أحباب وأخدان يمنونه ذلك ، ويستبطئون موت الملك . ثم إن الملك يستوحش منه ، وتنساق الأمور إلى هلاك أحدهما ، ولكن لينظر الوالي منكم لله تعالى ثم لنفسه ثم للرعية ، ولينتخب وليا للعهد من بعده .

--> ( 1 ) النفاسة : كراهة الخير لهم