حسن حسين
57
ثلاثية البردة (بردة الرسول ص)
فيوضح الإمام البوصيري أنه اتهم من قبل العذال بالشيب وكبر سنه ، ويرد عليهم أن الشيب أبعد عما يلفق له من تلك التهم ، فهو لا يأبه بالشيب الذي اشتعل في رأسه ، ولكنه يخشى أن تشيب النفس وهي محملة من جهلها بالمعاصي وهو يملك القدرة على اخفاء هذا الشيب بالخضاب أو الحناء ، ولكنه يعجز عن كتمان ما فعلته نفسه ، فإن أخفيت هذه الأفعال عن البشر فإنه لا يستطيع أن يخفيها عن ربه سبحانه وتعالى : ويقول البوصيري : من لي برد جماح من غوايتها * كما يرد جماح الخيل باللجم « 1 » فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها * ان الطعام يقوى شهوة النهم « 2 » فيقرر بأن النفس أمارة بالسوء ولا بد أن يردها الإنسان عن غوايتها ، ويشبه الإمام البوصيري النفس المنحرفة عن الطريق المستقيم بالحصان الذي يجمح بفارسه فإن لم يرده راكبه فقد يقتله ويقتل نفسه ، والإسراف في المعاصي لا يقتل رغبة النفس ، ولكنه يزيد ميلها وانغماسها فيها كما أن كثرة الطعام تزيد رغبة النهم فيه ويقول : والنفس كالطفل أن تهمله شب على * حب الرضاع وان تفطمه ينفطم فيخاطب المرء بأنه سيد حياته وأن ترك لنفسه الحبل على الغارب ادمنت المعاصي وأكثرت من الذنوب وأوردته نفسه مورد الهلاك ، وهو إن زجرها امتنعت كالطفل إذا لم ينفطم ظل معلقا بثدى أمه - وهي حكمة بليغة يطرحها البوصيري للإنسانية جمعاء . ثم يقول : فاصرف هواها وحاذر أن توليه * ان الهوى ما تولى يصم أو يصم « 3 »
--> ( 1 ) من لي : أي من يكفل لي ، الجماح : الشرود ، غوايتها : ضلالها ، اللجم : جمع لجام . ( 2 ) لا ترم : لا تقصد ولا تطلب ، النهم : الشره كثير الأكل . ( 3 ) أن توليه : تجعله اليا عليك ، يصم : حالة الجزم من يصمى مضارع اصمى أي يقتل ، ويصم مضارع وصم أي شاب وعاب .