حسن حسين

58

ثلاثية البردة (بردة الرسول ص)

وراعها وهي في الأعمال سائمة * وان هي استحلت المرعى فلا تسم « 1 » كم حسنت لذة للمرء قاتلة * من حيث لم يدر ان السم في الدسم والمراد من الهوى الذي يصم أو يصم هنا اللذة القاتلة وهي اللذة الدنيوية التي يقدم عليها الإنسان وتأمره النفس الإمارة بالجري وراءها ، ولكن ذلك يقضى عليه ، ولذا يطالب المرء أن يخالف هذه النفس ويردها عن غيها وينصرف عما تقويه فيه وتزينه له من مغريات الدنيا ، وقد يكون ذلك ابتلاء وتذكره له ليستغفر ربه ويرجع إليه فيعيش مطمئنا خالى البال بعيدا عن نزوات الشياطين . ومن البيت الثامن والعشرين يبدأ البوصيري حديثه كعادة الشعراء العرب الأولين بالتشوق إلى الديار والجيران وعلى نحو ما فعله كعب في ميميته وبردته الأولى التي كانت نبراسا للشعراء من بعد . ويستمر البوصيري في قصيدته قائلا : واخش الدسائس من جوع ومن شبع * فرب مخمصة شر من التخم « 2 » واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت * من المحارم والزم حمية الندم « 3 » وخالف النفس والشيطان واعصهما * وان هما محضاك النصح فاتهم « 4 » ولا تطع منهما خصما ولا حكما * فأنت تعرف كيد الخصم والحكم فيوجه الإمام المجتمع إلى أخذ الحذر من مغبة الدسائس والفتن التي تحاك وهي لا تختلف بعضها عن بعض ، ويستوى الأمر بين أن تملى الدسيسة على المرء

--> ( 1 ) سائمة : راعية أي متعاطية ، فلا تسم : أي فلا تمكنها من الرعي وتسم من السموم وهو الرعي في العشب المباح . ( 2 ) الدسائس : هي الشبهة الخبيثة ، مخمصة : جوع ، التخم : جمع تخمة وهي امتلاء البطظن بالأكل وثقلة عليها . ( 3 ) المحارم : المحرمات ، حمية الندم : الاحتماء بالندم والتوبة من الوقوع في المحارم ، وأصل الحمية عن الشيء هي الامتناع عنه . ( 4 ) محضاك النصح : اخلصا لك النصح ، فاتهم : أي فاتهمهما بالغش وقابلهما بسوء الظن لأن اخلاصهما من الأمور المستحيلة .