ابن أبي الحديد

95

شرح نهج البلاغة

ملكتني ماء وجه كاد يسكبه * ذل السؤال ولم تفجع به هممي وقال آخر : لا تحرصن على الحطام فإنما * يأتيك رزقك حين يؤذن فيه سبق القضاء بقدره وزمانه * وبأنه يأتيك أو يأتيه وكان يقال : ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه . وقال رجل في مجلس فيه قوم من أهل العلم : لا أدري ما يحمل من يوقن بالقدر على الحرص على طلب الرزق ! فقال له : أحد الحاضرين يحمله القدر ، فسكت . أقول : لو كنت حاضرا لقلت : لو حمله القدر لما نهاه العقلاء عن الحرص ، ولما مدحوه على العفة والقناعة فإن عاد وقال : وأولئك ألجأهم القدر إلى المدح والذم والامر والنهى ، فقد جعل نفسه وغيره من الناس ، بل من جميع الحيوانات بمنزلة الجمادات التي يحركها غيرها ومن بلغ إلى هذا الحد لا يكلم . وقال الشاعر : أراك تزيدك الأيام حرصا * على الدنيا كأنك لا تموت فهل لك غاية إن صرت يوما * إليها قلت حسبي قد رضيت ! أبو العتاهية : أي عيش يكون أطيب من عيش * كفاف قوت بقدر البلاغ ( 1 ) قمرتني الأيام عقلي ومالي * وشبابي وصحتي وفراغي ( 2 ) وأوصى بعض الأدباء ابنه فكتب إليه

--> ( 1 ) ديوانه 164 ، والأغاني 4 : 40 والبلاغ : الكفاية . ( 2 ) الديوان والأغاني : " غبنتني الأيام " .