ابن أبي الحديد
93
شرح نهج البلاغة
وترى الذين قسمت ما * لك بينهم حصصا وكدك ( 1 ) يتلذذون بما جمعت * لهم ولا يجدون فقدك الأصل : واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار ، فإنه يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا . واعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنك في سبيل من كان قبلك . فخفض في الطلب ، وأجمل في المكتسب ، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب ، وليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل مجمل بمحروم . وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب ، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا . ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا . وما خير خير لا ينال ( 2 ) إلا بشر ، ويسر لا ينال إلا بعسر . وإياك أن توجف بك مطايا الطمع ، فتوردك مناهل الهلكة . وإن استطعت ألا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل ، فإنك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك ، وإن اليسير من الله سبحانه أكرم وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه .
--> ( 1 ) الديوان : وكأن جمعك قد غدا * ما بينهم حصصا وكدك ( 3 ) د : " لا يوجد " .