ابن أبي الحديد

92

شرح نهج البلاغة

وجاريته أن يقتلاه بحديد أو سم ، وهو مع ذلك عاجز عن استدامة سلامة عقله من زوال ، وسمعه من صمم ، وبصره من عمى ، ولسانه من خرس ، وسائر جوارحه من زمانة ، ونفسه من تلف ، وماله من بوار ، وحبيبه من فراق ، وكل ذلك يشهد شهادة قطعية أنه فقير إلى ربه ، ذليل في قبضته ، محتاج إليه . لا يزال المرء بخير ما حاسب نفسه ، وعمر آخرته بتخريب دنياه ، وإذا اعترضته بحار المكاره ، جعل معابرها الصبر والتأسي ، ولم يغتر بتتابع النعم ، وإبطاء حلول النقم ، وأدام صحبة التقى ، وفطم النفس عن الهوى ، فإنما حياته كبضاعة ينفق من رأس المال منها ، ولا يمكنه أن يزيد فيها ، ومثل ذلك يوشك فناؤه وسرعة زواله . وقال أبو العتاهية في ذكر الموت : ستباشر الترباء خدك * وسيضحك الباكون بعدك ( 1 ) ولينزلن بك البلى * وليخلفن الموت عهدك وليفنينك مثل ما ( 2 ) * أفنى أباك بلى وجدك ( 3 ) لو قد رحلت عن القصور * وطيبها وسكنت لحدك ( 4 ) لم تنتفع إلا بفعل * صالح قد كان عندك

--> ( 1 ) ديوانه 86 ، 87 ، والترباء : التراب ، ورواية الديوان : * لتباشر الأجداث وحدك * ( 2 ) الديوان : " بالذي " . ( 3 ) الديوان : " به وجدك " . ( 4 ) الديوان : لو قد ظعنت عن البيوت * ودوحها وسكنت لحدك