ابن أبي الحديد
91
شرح نهج البلاغة
استعداد . واستقرأني أبو الفرج محمد بن عباد رحمه الله وأنا يومئذ حدث هذه الوصية فقرأتها عليه من حفظي ، فلما وصلت إلى هذا الموضع صاح صيحة شديدة ، وسقط - وكان جبارا قاسي القلب . [ أقوال حكيمة في وصف الدنيا وفناء الخلق ] واعلم أنا قدمنا في وصف الدنيا والفناء والموت من محاسن كلام الصالحين والحكماء ما فيه الشفاء ، ونذكر الان أشياء أخر . فمن كلام الحسن البصري : يا بن آدم إنما أنت أيام مجموعة ، فإذا مضى يوم مضى بعضك . عن بعض الحكماء : رحم الله امرأ لا يغره ما يرى من كثرة الناس ، فإنه يموت وحده ، ويقبر وحده ، ويحاسب وحده . وقال بعضهم : لا وجه لمقاساة الهموم لأجل الدنيا ولا الاعتداد بشئ من متاعها ، ولا التخلي منها ، أما ترك الاهتمام لها ، فمن جهة أنه لا سبيل إلى دفع الكائن من مقدورها ، وأما ترك الاعتداد بها ، فإن مرجع كل أحد إلى تركها ، وأما ترك التخلي عنها فإن الآخرة لا تدرك إلا بها . ومن كلام بعض الحكماء : أفضل اختيار الانسان ما توجه به إلى الآخرة ، وأعرض به عن الدنيا ، وقد تقدمت الحجة وأذنا بالرحيل ، ولنا من الدنيا على الدنيا دليل ، وإنما أحدنا في مدة بقائه صريع لمرض ، أو مكتئب بهم ، أو مطروق بمصيبة ، أو مترقب لمخوف ، لا يأمن المرء أصناف لذته من المطعوم والمشروب أن يكون موته فيه ، ولا يأمن مملوكه