ابن أبي الحديد
87
شرح نهج البلاغة
ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة ، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة ، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرحمة ، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة ، وحسب سيئتك واحدة ، وحسب حسنتك عشرا . وفتح لك باب المتاب ، وباب الاستعتاب . فإذا ناديته سمع نداك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره ، من زيادة الأعمار ، وصحة الأبدان ، وسعة الأرزاق . ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه ، بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنطنك إبطاء إجابته ، فإن العطية على قدر النية ، وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل ، وأجزل لعطاء الآمل . وربما سألت الشئ فلا تعطاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته ، فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفى عنك وباله ، فالمال لا يبقى لك ، ولا تبقى له . الشرح : قد تقدم القول في الدعاء . قوله : " بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة " ، هذا متفق عليه بين أصحابنا ، وهو أن تارك القبيح لأنه قبيح يستحق الثواب .