ابن أبي الحديد

71

شرح نهج البلاغة

فاعلم أنك إنما تخبط العشواء ، وتتورط الظلماء ، وليس طالب الدين من خبط أو خلط ، والامساك عن ذلك أمثل . الشرح أمره أن يقتصر على القيام بالفرائض ، وأن يأخذ بسنة السلف الصالح من آبائه وأهل بيته ، فإنهم لم يقتصروا على التقليد ، بل نظروا لأنفسهم ، وتأملوا الأدلة ، ثم رجعوا آخر الامر إلى الاخذ بما عرفوا ، والامساك عما لم يكلفوا . فإن قلت : من سلفه هؤلاء الذين أشار إليهم ؟ قلت : المهاجرون الأولون من بني هاشم وبني المطلب كحمزة وجعفر والعباس وعبيدة ابن الحارث ، وكأبي طالب في قول الشيعة وكثير من أصحابنا ، وكعبد المطلب في قول الشيعة خاصة . فإن قلت : فهل يكون أمير المؤمنين عليه السلام نفسه معدودا من جملة هؤلاء ! قلت : لا فإنه لم يكن من أهل المبادئ والجمل المقتصر بهم في تكليفهم العقليات على أوائل الأدلة ، بل كان سيد أهل النظر كافة وإمامهم . فإن قلت : ما معنى قوله : لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم ؟ قلت : لأنهم إذا تأملوا الأدلة وفكروا فيها فقد نظروا لأنفسهم كما ينظر الانسان لنفسه ليخلصها من مضرة عظيمة سبيلها أن تقع به إن لم ينظر في الخلاص منها ، وهذا هو الوجه في وجوب النظر في طريق معرفة الله ، والخوف من إهمال النظر . فإن قلت : ما معنى قوله : " إلى الاخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا " ؟