ابن أبي الحديد
72
شرح نهج البلاغة
قلت : الاخذ بما عرفوا ، مثل أدلة ( 1 ) حدوث الأجسام وتوحيد البارئ وعدله ، والامساك عما لم يكلفوا ، مثل النظر في إثبات الجزء الذي لا يتجزأ ونفيه ، ومثل الكلام في الخلا والملا ، والكلام في أن هل بين كل حركتين مستقيمتين سكون أم لا ؟ وأمثال ذلك مما لا يتوقف أصول التوحيد والعدل عليه ، فإنه لا يلزم أصحاب الجمل والمبادئ أن يخوضوا في ذلك ، لأنهم لم يكلفوا الخوض فيه ، وهو من وظيفة قوم آخرين . قوله عليه السلام : " فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا " ، هذا الموضع فيه نظر ، لأنا قد قلنا : إنهم لم يعلموا التفاصيل الدقيقة ، فكيف يجعلهم عالمين بها ؟ ويقول : " أن تعلم كما علموا " وينبغي أن يقال : أن الكاف وما عملت فيه في موضع نصب ، لأنه صفة مصدر محذوف ، وتقديره فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك علما كما علموا دون أن تعلم التفاصيل الدقيقة ، وجاز انتصاب " علما " والعامل فيه " تقبل " لان القبول من جنس العلم ، لان القبول اعتقاد والعلم اعتقاد ، وليس لقائل أن يقول : فإذن يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي ، لان الفصل بينهما قد جاء كثيرا ، قال الشاعر : جزى الله كفا ملئها من سعادة * سرت في هلاك المال والمال نائم ويجوز أن يقال : كما علموا الان بعد موتهم ، فإنهم بعد الموت يكونون عالمين بجميع ما يشتبه علمه على الناس في الحياة الدنيا ، لان المعارف ضرورية بعد الموت ، والنفوس باقية على قول كثير من المسلمين وغيرهم . واعلم أن الذي يدعو إلى تكلف هذه التأويلات أن ظاهر الكلام كونه يأمر بتقليد النبي صلى الله عليه وآله والاخذ بما في القرآن وترك النظر العقلي ، هذا هو ظاهر الكلام ، ألا تراه كيف يقول له : الاقتصار على ما فرضه الله عليك ، والاخذ بما مضى عليه أهل
--> ( 1 ) أ : " الأدلة " تحريف .