ابن أبي الحديد
60
شرح نهج البلاغة
أمر شئ من الموجودات أصلا إلا الله تعالى ونفسه ، وفوق هذه الطبقة طبقة أخرى جدا وهي ألا تفكر في شئ قط إلا في الله وحده ، وفوق هذه الطبقة طبقة أخرى تجل عن الذكر والتفسير ، ولا تصلح لأحد من المخلوقين إلا النادر الشاذ ، وقد ذكرها هو فيما سبق ، وهو ألا يفكر في شئ أصلا لا في المخلوق ولا في الخالق ، لأنه قد قارب أن يتحد بالخالق ، ويستغني عن الفكر فيه . قوله : " وصرفني عن هواي " أي عن هواي وفكري في تدبير الخلافة وسياسة الرعية والقيام بما يقوم به الأئمة . قوله عليه السلام : " وصرح لي محض أمري " يروى بنصب " محض " ورفعه ، فمن نصب فتقديره : عن محض أمري ، فلما حذف الجار نصب ، ومن رفع جعله فاعلا . وصرح : كشف أو انكشف . قوله : " فأفضى بي إلى كذا " ، ليس بمعنى أنه قد كان من قبل يمازج جده باللعب ، بل المعنى أن همومه الأولى قد كانت بحيث يمكن أن يتخللها وقت راحة أو دعابة لا يخرج بها عن الحق ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ولا يقول إلا حقا ، فالآن قد حدث عنده هم لا يمكن أن يتخلله من ذلك شئ أصلا ، ومدار الفرق بين الحالتين - أعني الأولى والثانية على إمكان اللعب لا نفس اللعب وما يلزم من قوله : " أفضى لك بي هذا الهم " إلى انتفاء إمكان اللعب أن تكون همومه الأولى قد كان يمازجها اللعب ، ولكن يلزم من ذلك أنها قد كانت يمكن ذلك فيها إمكانا محضا على أن اللعب غير منكر إذا لم يكن باطلا ، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وآله : " المؤمن دعب لعب " ، وكذلك القول في قوله : " وصدق لا يشوبه كذب " أي لا يمكن أن يشوبه كذب ، وليس المراد بالصدق والكذب ها هنا مفهومهما المشهورين بل هو من قولهم : صدقونا اللقاء ، ومن قولهم : حمل عليهم فما كذب ! قال زهير :