ابن أبي الحديد
53
شرح نهج البلاغة
يبلغه ، فكل ما بعد الستين أقل مما مضى فلا جرم يكون العمر قد أدبر . قوله : " المستسلم للدهر " ، هذا آكد من قوله : " المقر للزمان " لأنه قد يقر الانسان لخصمه ولا يستسلم . قوله : " الذام للدنيا " هذا وصف لم يستحدثه عند الكبر ، بل لم يزل عليه ، ولكن يجوز أن يزيد ذمه لها ، لان الشيخ تنقص قواه التي يستعين بها على الدنيا والدين جميعا ، ولا يزال يتأفف من الدنيا . قوله : " الساكن مساكن الموتى " ، إشعار بأنه سيموت ، وهذا من قوله تعالى : ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) ( 1 ) . قوله : " الظاعن عنها غدا " ، لا يريد الغد بعينه ، بل يريد قرب الرحيل والظعن . وهذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام كلام من قد أيقن بالفراق ، ولا ريب في ظهور الاستكانة والخضوع عليه ، ويدل أيضا على كرب وضيق عطن ، لكونه لم يبلغ أربه من حرب أهل الشام ، وانعكس ما قدره بتخاذل أصحابه عنه ، ونفوذ حكم عمرو بن العاص فيه لحمق أبى موسى وغباوته وانحرافه أيضا . قوله : " إلى المولود " ، هذه اللفظة بإزاء " الوالد " . قوله : " المؤمل ما لا يدرك " ، لو قال قائل : إنه كنى بذلك عن أنه لا ينال الخلافة بعد موتى وإن كان مؤملا لها لم يبعد ، ويكون ذلك إخبارا عن غيب ، ولكن الأظهر أنه لم يرد ذلك ، وإنما أراد جنس البشر لا خصوص الحسن ، وكذلك سائر الأوصاف التي تلي هذه اللفظة لا تخص الحسن عليه السلام بعينه ، بل هي وإن كانت له في الظاهر بل هي للناس كلهم في الحقيقة ، ألا ترى إلى قوله بعدها : " السالك سبيل من قد هلك " ، فإن كل واحد من الناس يؤمل أمورا لا يدركها ، وكل واحد من الناس سالك سبيل من هلك قبله
--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 45 .