ابن أبي الحديد
201
شرح نهج البلاغة
أما بعد ، فإن الجاهلية الجهلاء ( 1 ) ، والضلالة العمياء ، والغي الموفد لأهله على النار ، ما فيه سفهاؤكم ، ويشتمل عليه حلماؤكم ، من الأمور العظام ، ينبت فيها الصغير ، ولا يتحاشى منها الكبير ، كأنكم لم تقرأوا كتاب الله ، ولم تستمعوا ما أعد من الثواب الكثير لأهل طاعته ، والعذاب الأليم لأهل معصيته ، في الزمن السرمد الذي لا يزول . أتكونون كمن طرفت عينه ( 2 ) الدنيا ، وسدت مسامعه الشهوات ، وأختار الفانية على الباقية ! لا تذكرون ( 3 ) أنكم أحدثتم في الاسلام الحدث الذي لم تسبقوا به ، من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله ( 4 ) ، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر ، هذا والعدد غير قليل ! ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل ( 5 ) وغارة النهار ! قربتم القرابة ، وباعدتم الذين يعتذرون بغير العذر ، ويعطون ( 6 ) على المختلس ، كل امرئ منكم يذب عن سيفه ، صنيع ( 7 ) من لا يخاف عاقبه ، ولا يرجو معادا . ما أنتم بالحلماء ، وقد اتبعتم السفهاء ، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرمه ( 8 ) الاسلام ، ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب . حرم على الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا ! إني رأيت آخر هذا الامر لا يصلح إلا بما صلح به أوله ! لين في غير ضعف ، وشده في غير عنف . وأنا أقسم بالله لآخذن الولي بالولي ، والظاعن بالظاعن ، والمقبل بالمدبر ، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم ، حتى يلقى الرجل أخاه
--> ( 1 ) الجاهلية الجهلاء ، وصف على المبالغة ، كما يقال : ليلة ليلاء ، ويوم أيوم ، وهمج هاج . ( 2 ) طرفت عينه الدنيا ، أي صرفته عن الحق . ( 3 ) ا : ( أتذكرون ) . ( 4 ) بعدها في البيان : ( وهذه المواخير المنصوبة ) . ( 5 ) الدلج : السير من أول الليل ، وقد أدلجوا ، فإن ساروا من اخره فأدلجوا ، بالتشديد . ( 6 ) ا والبيان : ( ويغضون على المختلس ) . ( 7 ) ا والطبري : ( صنع ) . ( 8 ) البيان : ( حرم الاسلام ) .