ابن أبي الحديد
186
شرح نهج البلاغة
ليس كذلك ، ولكن أشكل الامر ، والتبس على القوم ، وإني لخائف أن يرجع الامر كما بدا ، فكيف لامرئ بسلامة دينه ! وقد نظرت في أمر الناس فوجدت أحد العاقبتين العافية وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته ، فقد حمدت طاعتكم إن شاء الله ثم نزل . وكتب جواب الكتاب : أما بعد ، فقد وصل كتابك يا معاوية مع المغيرة بن شعبة وفهمت ما فيه ، فالحمد لله الذي عرفك الحق ، وردك إلى الصلة ولست ممن يجهل معروفا ، ولا يغفل حسبا ، ولو أردت أن أجيبك بما أوجبته الحجة ، واحتمله الجواب ، لطال الكتاب ، وكثر الخطاب ولكنك إن كنت كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح ، ونية حسنة ، وأردت بذلك برا ، فستزرع في قلبي مودة وقبولا ، وإن كنت إنما أردت مكيدة ومكرا وفساد نية فإن النفس تأبى ما فيه العطب ، ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعبأ به الخطيب المدرة ، فتركت من حضر ، لا أهل ورد ولا صدر ، كالمتحيرين بمهمه ضل بهم الدليل ، وأنا على أمثال ذلك قدير ، وكتب في أسفل الكتاب : إذا معشري لم ينصفوني وجدتني * أدافع عنى الضيم ما دمت باقيا وكم معشر أعيت قناتي عليهم * فلاموا وألفوني لدى العزم ماضيا وهم به ضاقت صدور فرجته * وكنت بطبي للرجال مداويا أدافع بالحلم الجهول مكيدة * وأخفى له تحت العضاه الدواهيا فإن تدن منى أدن منك وإن تبن * تجدني إذا لم تدن منى نائيا . فأعطاه معاوية جميع ما سأله ، وكتب إليه بخط يده ما وثق به ، فدخل إليه الشام ، فقربه وأدناه ، وأقره على ولايته ، ثم استعمله على العراق . * * *