ابن أبي الحديد

187

شرح نهج البلاغة

وروى علي بن محمد المدائني قال : لما أراد معاوية استلحاق زياد وقد قدم عليه الشام جمع الناس وصعد المنبر ، وأصعد زيادا معه فأجلسه بين يديه على المرقاة التي تحت مرقاته ، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد ، فمن كان عنده شهادة فليقم بها . فقام ناس فشهدوا أنه أبن أبي سفيان ، وأنهم سمعوا ما أقر به قبل موته ، فقام أبو مريم السلولي - وكان خمارا في الجاهلية - فقال : أشهد يا أمير المؤمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف ، فأتاني فاشتريت له لحما وخمرا وطعاما ، فلما أكل قال : يا أبا مريم ، أصب لي بغيا ، فخرجت فأتيت بسمية ، فقلت لها : أن أبا سفيان ممن قد عرفت شرفه وجوده ، وقد أمرني أن أصيب له بغيا ، فهل لك ؟ فقالت : نعم ، يجئ الان عبيد بغنمه - وكان راعيا - فإذا تعشى ، ووضع رأسه أتيته . فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته ، فلم نلبث أن جاءت تجر ذيلها ، فدخلت معه ، فلم تزل عنده حتى أصبحت ، فقلت له لما انصرفت : كيف رأيت صاحبتك ؟ قال : خير صاحبة ، لولا ذفر في إبطيها . فقال زياد من فوق المنبر : يا أبا مريم ، لا تشتم أمهات الرجال ، فتشتم أمك . فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته قام زياد ، وأنصت الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس أن معاوية والشهود قد قالوا ما سمعتم ، ولست أدرى حق هذا من باطله ! وهو والشهود أعلم بما قالوا ، وأنما عبيد أب مبرور ، ووال مشكور ثم نزل . * * * وروى شيخنا أبو عثمان أن زيادا مر وهو والى البصرة بأبي العريان العدوي - وكان شيخا مكفوفا ، ذا لسن وعارضة شديده - فقال أبو العريان : ما هذه الجلبة ؟ قالوا : زياد بن أبي سفيان ، قال : والله ما ترك أبو سفيان ألا يزيد ومعاوية وعتبة وعنبسة وحنظلة ومحمدا ، فمن أين جاء زياد ؟ فبلغ الكلام زيادا ، وقال له قائل : لو سددت