ابن أبي الحديد

185

شرح نهج البلاغة

كتاركة بيضها بالعراء * وملحفة بيض أخرى جناحا . قد رأيت أن أعطف عليك ، ولا أؤاخذك بسوء سعيك ، وأن أصل رحمك ، وأبتغي الثواب في أمرك ، فاعلم أبا المغيرة ، أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى انقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعدا ، فإن بنى عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع وقد أوثق للذبح ، فارجع - رحمك الله - إلى أصلك ، واتصل بقومك ، ولا تكن كالموصول بريش ( 1 ) غيره ، فقد أصبحت ضال النسب . ولعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج ، فدعه عنك ، فقد أصبحت على بينة من أمرك ، ووضوح من حجتك ، فإن أحببت جانبي ، ووثقت بي ، فإمرة بإمرة ، وإن كرهت جانبي ، ولم تثق بقولي ففعل جميل لا على ولا لي . والسلام . فرحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس ، فلما رآه زياد قربه وأدناه ولطف به فدفع إليه الكتاب ، فجعل يتأمله ويضحك ، فلما فرغ من قراءته وضعه تحت قدمه ثم قال : حسبك يا مغيرة ! فإني أطلع على ما في ضميرك ، وقد قدمت من سفرة بعيدة ، فقم وأرح ركابك . قال : أجل فدع عنك اللجاج يرحمك الله ، وأرجع إلى قومك ، وصل أخاك ، وأنظر لنفسك ، ولا تقطع رحمك ! قال زياد ، إني رجل صاحب أناة ولى في أمري روية ، فلا تعجل على ، ولا تبدأني بشئ حتى أبدأك . ثم جمع الناس بعد يومين أو ثلاثة ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إيها الناس : ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم ، وارغبوا إلى الله في دوام العافية لكم ، فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان ، وفكرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي ، في كل عيد يذبحون ، ولقد أفنى هذان اليومان - يوم الجمل وصفين - ما ينيف على مائه ألف ، كلهم يزعم أنه طالب حق ، وتابع أمام ، وعلى بصيرة من أمره ، فإن كان الامر هكذا فالقاتل والمقتول في الجنة ، كلا

--> ( 1 ) ب : ( كالموصول يطير بريش غيره ) .